ابن كثير
146
البداية والنهاية
وشدة موضع القيود عليه ، فكبر الحجاج وكبر أصحابه وأشار جحدر يقول : يا جمل إنك لو رأيت كريهتي * في يوم هول مسدف وعجاج وتقدمي لليث أرسف موثقا * كيما أساوره على الاخراج شثن براثنه ؟ كأن نيوبه * زرق المعاول أو شباة زجاج يسمو بناظرتين تحسب فيهما * لهبا أحدهما شعاع سراج وكأنما خيطت عليه عباءة * برقاء أو خرقا من الديباج لعلمت أني ذو حفاظ ماجد * من نسل أقوام ذوي أبراج فعند ذلك خيره الحجاج إن شاء أقام عنده ، وإن شاء انطلق إلى بلاده ، فاختار المقام عند الحجاج ، فأحسن جائزته وأعطاه أموالا . وأنكر يوما أن يكون الحسين من ذرية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأنه ابن بنته ، فقال له يحيى بن يعمر : كذبت ! فقال الحجاج : لتأتيني على ما قلت بينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك ، فقال قال الله ( ومن ذريته داود وسليمان ) [ الانعام : 84 ] إلى قوله ( وزكريا ويحيى وعيسى ) [ الانعام : 85 ] فعيسى من ذرية إبراهيم ، وهو إنما ينسب إلى أمه مريم ، والحسين ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال الحجاج : صدقت ، ونفاه إلى خراسان . وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر ، منها أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه ، وكان يقرأ [ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ] إلى قوله [ أحب إليكم ] فيقرأها برفع أحب . وقال الأصمعي وغيره : كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد ، فقال للرسول : أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده ؟ قال : نعم ! فكتب الحجاج إلى عبد الملك : أما أمس فأجل ، وأما اليوم فعمل ، وأما غدا فأمل . وقال ابن دريد عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عبيدة معمر بن المثنى . قال : لما قتل الحجاج ابن الأشعث وصفت له العراق ، وسع على الناس في العطاء ، فكتب إليه عبد الملك : أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع وتنفق في الأسبوع مالا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر ، ثم قال منشدا : عليك بتقوى الله في الامر كله * وكن يا عبيد الله تخشى وتضرع ووفر خراج المسلمين وفيأهم * وكن لهم حصنا تجير وتمنع فكتب إليه الحجاج : لعمري لقد جاء الرسول بكتبكم * قراطيس تملأ ثم تطوى فتطبع كتاب أتاني فيه لين وغلظة * وذكرت والذكرى لذي اللب تنفع وكانت أمور تعتريني كثيرة * فأرضخ أو اعتل حينا فأمنع إذا كنت سوطا من عذاب عليهم * ولم يك عندي بالمنافع مطمع